السيد محمد تقي المدرسي

204

من هدى القرآن

تشير هذه الآيات الكريمة إلى أن موسى عليه السلام قبل أن يتلقى الرسالة ، تلقى هاتين السلسلتين من النعم ، فمن جهة نرى أن الله سبحانه وتعالى أنقذ النبي موسى عليه السلام من قتل محتم ، فقد كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم ، فلما رأى أن نسل بني إسرائيل سوف ينقطع بهذه الطريقة ، أخذ يقتل فيهم عاماً ويتركهم عاماً ، وقد ولد موسى عليه السلام في تلك السنة التي يقتل فيها فرعون أبناء بني إسرائيل وأنجاه الله مع ذلك من القتل ، وبعد ذلك نجي من موت محتم آخر ، عندما قتل قبطياً ، فهرب إلى المدائن ، حيث تشكِّل هذه الهجرة الانطلاقة الرسالية الكبرى . كما تعرَّض موسى عليه السلام لسلسلة طويلة من الأخطار ، كذلك كل إنسان يتعرض لأخطار محدقة تكاد تؤدي بحياته ، ولكنه ينقذ منها برحمة من الله وفضل ، والقليل من الناس من يلتفت إليها أو يذكرها عندما يكبر ، وهنا يذكر الله موسى عليه السلام بطفولته حينما كاد جلادو فرعون أن يقتلوه فأنقذه الله ، ولابد أن نذكر أنفسنا بتلك الأيام الخوالي التي كادت الأخطار فيها أن تهلكنا فأنقذنا الله منها . كما يذكِّر الله موسى بالسلسلة الثانية من النعم ، فقد ألقى الله عليه محبة ممن كانوا يحيطون به ، لكي تنمو نفسه نمواً متكاملًا دون عقد أو أدنى نقص ، ويكون بذلك مستعداً لتلقي نعمة الهداية ، ولكن السؤال هل هذه نعمة خاصة ؟ كلا ! كل واحد منا قد تلقى أمواجاً من الرحمة والحنان من قبل والديه ، ومن قبل المحيطين به ، فالكثير نمت نفوسهم سليمة ومستقيمة مستعدة لتلقي نعمة الهداية ، ولكن عند موسى يصبح هذا الأمر أكثر وضوحاً ، حيث إن الله سبحانه حمل التابوت الذي يحمل موسى إلى بيت عدوه فرعون ، وعندما رآه فرعون وقع في قلبه موقعاً حسناً وأحبه فلم يقتله ، وحينما فتش فرعون عن المراضع لم يجد إلا أمه وهو لا يعرفها أنها أمه ، فعاد موسى إلى أمه كي ينمو في حضن الأمومة الدافىء ، الذي يربي نفس الطفل على الاستقامة والسلامة المعنوية ، لأنَّ من يفقد حنان الأمومة طفلًا يظل محتاجاً لها كبيراً . الطفل لا يرضع من ثدي أمه لبناً فقط ، وإنما يرتضع من أمه حناناً ودفئاً ، وفي قصة موسى رمز إلى هذه الرضاعة . بعد أن تتوفر هاتان السلسلتان من النعم التمهيدية تأتي النعمة الكبرى وهي نعمة الهداية . . وبعدما ذكر الله رسوله موسى عليه السلام طلب منه أن يبلغ هذه النعمة ( الرسالة ) . إن نعمة الهداية بالنسبة لموسى ، هي نعمة الرسالة ، وليس للرسول الذي يبلغ الرسالة فقط ، بل هي للمرسل إليه الذي يتلقى الرسالة ويستقبلها محاولًا تطبيقها أيضاً .